بوليتيكو: لماذا يساعد ترامب ديكتاتور مصر على ترسيخ سلطته؟

بصفتي شخصا يراقب الشعب المصري وهو يناضل ضد الديكتاتوريين لسنوات، فمن الصعب أن أفهم حقيقة أن الرئيس “دونالد ترامب” سيرحب بالزعيم العسكري الوحشي لمصر “عبدالفتاح السيسي” في زيارة إلى البيت الأبيض، هذا الأسبوع.

بعد مرور ثماني سنوات على خروج المصريين إلى الشوارع لإقالة حاكمهم “حسني مبارك” الذي ظل يحكمهم 30 عامًا، وبعد أسابيع فقط من قيام الجزائريين بنفس الشيء لإزاحة الحاكم الاستبدادي “عبدالعزيز بوتفليقة” الذي ظل يحكمهم 20 عاماً، يراهن البيت الأبيض على “السيسي”، وهو تأييد سيستخدمه الرئيس المصري في ترسيخ قبضته على السلطة؛ عبر إظهار أنه يتمتع بدعم “ترامب” المتحمس، ما سيمكنه من إجبار أي منتقدين محتملين في الجيش أو في أي مكان آخر على الانصياع له.

تأتي فرصة “السيسي” في التقاط الصور في المكتب البيضاوي قبل أسبوع أو أسبوعين فقط من إجراء مصر استفتاء شعبيًا حول تعديلات دستورية من شأنها أن تمنح “السيسي” استثناءًا من حدود المدة، مما يسمح له بالبقاء في منصبه حتى عام 2034.

وستمنح التعديلات أيضًا الجيش حقا دستوريا في التدخل في السياسة، وستشدد من قبضة “السيسي” على القضاء، وإذا كان الاستفتاء مشابهًا للانتخابات الثانية التي أجراها “السيسي” في عام 2018، فسيبقى الناخبون المصريون – المحبطون والمرتعبون من سنوات من القمع الوحشي منذ الانقلاب العسكري عام 2013 – في منازلهم غالبا.

ولكي نكون واضحين، فإن تعديل الدستور لا يتعلق بأمن أو ازدهار مصر ولكنه محاولة من قبل “السيسي” لتطوير شكل شخصي للغاية من السلطة لنفسه وللضباط العسكريين الموالين، وتهميش المؤسسات الأخرى وإنهاء كل مساءلة ذات معنى؛ فيما يعد انتهاكا مباشرا لوعوده.

ما الفائدة إذن التي يمكن أن تتأتى من دعم “السيسي” للحفاظ على نفسه في السلطة إلى أجل غير مسمى؟ وما الضرر الذي قد يسببه؟ وهل يمكن أن تظل الولايات المتحدة محايدة؟ باعتباري أحد صانعي السياسة السابقين، فأنا أعلم بشكل مباشر أن المسؤولين الأمريكيين غالبا ما يواجهون قرارات صعبة عند محاولة الموازنة بين مصالح الأمن القومي وحقوق الإنسان.

لكن تاريخنا في الشرق الأوسط أظهر أننا غالبا ما نخطئ في هذه القرارات بشكل كارثي.

مؤهلات غير حقيقية

في هذا الصدد، يقول مؤيدو “السيسي” أن “ترامب” يجب أن يدعمه في محاولته للبقاء في السلطة إلى أجل غير مسمى، لأنه صاحب رؤية فريدة من نوعها مؤهلة لمحاربة الإسلاميين الخطرين، وإصلاح الإسلام، وتعزيز حقوق المرأة، وإصلاح اقتصاد بلاده المتداعي وتعزيز السلام الإقليمي مع (إسرائيل)، بالإضافة إلى ذلك، تحتاج الولايات المتحدة إلى منح السيسي دعماً غير مشروط حتى لا تقع مصر في قبضة روسيا.

لكن، هل “السيسي” محارب فريد ضد الإرهاب حقا؟ في حين أن الضغط العسكري المتضافر على سيناء المضطربة في عام 2018 أدى إلى تهدئة التمرد بشكل محدود، إلا إنه ليس لدى “السيسي” حل سحري، فيما لا يزال العنف مستمرا؛ بما في ذلك هجوم كبير ضد القوات الحكومية في فبراير/شباط، بل إن استمرار رئاسة مثل هذا الحاكم المستبد الذي يشرف على عمليات القتل الجماعي وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان الوحشية، يغذي الحركات العنيفة بالمجندين.

هل “السيسي” مصلح لا غنى عنه للإسلام وصديق للمسيحيين؟ السيسي مغرم بتقديم نفسه على هذا النحو، لكنه في الغالب لجأ إلى البيانات والأفعال الدعائية العامة بدلاً من التغييرات المهمة في السياسات الحكومية، والتي لا تزال تميز ضد غير المسلمين.

لقد سحق بوحشية الإخوان المسلمين كمنافس سياسي لكنه فشل في حماية المسيحيين من الهجمات المسلحة، وفي الواقع، كانت حكومة “السيسي” أكثر تعصباً من سابقاتها في فرض القواعد غير الليبرالية ضد الملحدين والمثليين، من بين آخرين.

هل “السيسي” صديق للمرأة؟ نعم هو كذلك؛ ولكن بأسلوب ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان”، وهذا يعني أن “السيسي” يدعم حقوق المرأة بالأقوال فقط دون الأفعال (ما أكسبه الثناء من “إيفانكا ترامب”) بينما يقوم بقمع صارم لمنظمات حقوق المرأة المستقلة والناشطات، ولم يحدث تقدم كبير في حقوق المرأة خلال السنوات الخمس التي قضاها في السلطة.

هل صنع “السيسي” معجزة اقتصادية؟ يقول مسؤولو صندوق النقد الدولي إنهم راضون عن تدابير التقشف التي اتخذها “السيسي”، ولكن هناك عيباً طاغياً يتمثل في الهيمنة الاقتصادية المتزايدة للجيش الجشع، في الوقت الذي تناقص فيه الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2018 مقارنة بعام 2017 لأن المستثمرين لا يرغبون في التنافس على ملعب لا تتساوى الفرص فيه، ومع أن نمو الناتج المحلي الإجمالي جاء مدفوعا بإنتاج الطاقة ومشروعات البناء الحكومية؛ إلا إنه يتآكل على أي حال بواسطة النمو السكاني السريع، كما لا تزال بطالة الشباب مرتفعة للغاية، وقد أدى التضخم المكون من رقمين إلى زيادة الغليان الاجتماعي في ظل نموذج “السيسي” الاقتصادي المشروخ.

ثم هل “السيسي” شريك لا يقدر بثمن لـ(إسرائيل) وهل سينفذ اتفاق سلام “ترامب” المثير للجدل؟ خلال الأربعين سنة التي انقضت على معاهدة السلام، تعاونت مصر مع (إسرائيل) بشكل ثابت في المسائل العسكرية والاستخبارية – حتى خلال فترة ولاية “محمد مرسي” – فيما تواصل مصر في عهد “السيسي” فرض ثمن باهظ على المدنيين (حتى أعضاء البرلمان) الذين يلتقون مع إسرائيليين أو يزورون (إسرائيل).

وفيما يتعلق بخطة “ترامب” للسلام، سيفعل “السيسي” ما يرى أنه يحقق مصلحته وليس أكثر من ذلك.

أخيرًا، هل يجب دعم “السيسي” دون قيد أو شرط كحصن ضد قبضة روسيا المتوغلة؟ إن تقارب “السيسي” الشخصي مع الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” ورغبته في تنمية تلك العلاقة قد ظهر منذ توليه منصبه، لقد اشترى أسلحة روسية أكثر من سابقيه، بما في ذلك صفقة حديثة بقيمة ملياري دولار للطائرات المقاتلة التي قد تؤدي إلى فرض عقوبات أمريكية، وفيما يتعلق بمقاومة النفوذ الروسي، فإن “السيسي” يمثل المشكلة أكثر من كونه حلا.

دعم بعواقب كارثية

هذه هي الفوائد المفترضة لدعم “السيسي”، فماذا عن المخاطر المحتملة؟

أولاً، إن مساعدة “السيسي” على البقاء في السلطة ينتهك معارضة الولايات المتحدة القديمة لمثل هذه التحركات التي تعزز تجذير الفساد وتقليل المساءلة وتؤدي إلى التغيير عبر العنف بدلاً من السياسة، وحتى إدارة “ترامب” – التي يظهر أنها غير داعمة للديمقراطية – انتقدت تعديلات مماثلة في جمهورية الكونغو الديمقراطية وبوروندي ورواندا وبوليفيا، لهذا يعد استثناء “السيسي” – رئيس الاتحاد الأفريقي حاليًا – مثالًا ضارًا.

ثانياً، إن دعم “السيسي” في هذا الاستيلاء الوقح على السلطة سوف يقلص النفوذ الأمريكي عليه بدل أن يزيده، وتظهر التجربة أن الولايات المتحدة تفوز بتنازلات من مصر فقط بعد ممارسة ضغوط قوية ومستمرة كما حدث في واقعة إلغاء الأحكام ضد العاملين في المنظمات غير الحكومية الأمريكية. ولا يوجد اليوم أي سبب لمنح “السيسي” ميزة السكوت غير المستحقة مع الانتهاكات الخطيرة التي يمارسها والتي تشمل مواطنين أمريكيين.

ثالثًا، لن يؤدي الدعم الفائق لـ”السيسي” إلا إلى تقويض النفوذ الأمريكي في البلاد، وهو درس كان ينبغي على المسؤولين الأمريكيين أن يتعلموه قبلاً، ففي عامي 2011 و 2013، تعرضت إدارة “أوباما” لانتقادات شديدة لكونها قريبة جدًا من “مبارك” و”مرسي” من بعده، مما أضر بمكانة أمريكا بين المصريين.

لماذا تقوض إذن إدارة “ترامب” بالمثل النفوذ الأمريكي من خلال الإفراط في الاستثمار في السيسي؟

دور أمريكي مهم

وهنا يبرز السؤال: هل يمكن أن تظل الولايات المتحدة محايدة؟

هذا ما نعرفه عن الحكام الديكتاتوريين؛ إنهم عادة ما ينتهي بهم المطاف بالإفراط في استغلال الترحيب بهم ويروعون مواطنيهم.

لذا فإن دعم محاولة “السيسي” للبقاء في السلطة لعقود من الزمن سيعود بالتأكيد لمطاردة الولايات المتحدة رغم أنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تفعل شيئا لمنع فرض هذه التعديلات الدستورية.

ومع ذلك، فإن الادعاء بالحياد ليس قابلاً للتصديق بينما تواصل الولايات المتحدة دعم الجيش المصري بمبلغ يصل إلى 1.3 مليار دولار سنويًا.

ويبقى المسار المنطقي الوحيد هو أن توضح الولايات المتحدة بشكل خاص وعلني، أنها تعارض التعديلات وترى أنها تأخذ مصر في الاتجاه الخاطئ، حتى لو لم تستطع الولايات المتحدة منعها من الحدوث، وسواء فعلت إدارة “ترامب” ذلك أم لا، فيجب على أعضاء الكونغرس فعل ذلك، من خلال البيانات والشروط المتعلقة بالمساعدة العسكرية.

ولا يزال ما تقوله الولايات المتحدة وتفعله مهماً للغاية بالنسبة لمصر، وإلا فما الذي يدفع “السيسي” للمجئ إلى واشنطن الآن؟ لهذا فإنه على أقل تقدير؛ ينبغي على أعضاء الكونجرس أن يشيروا إلى فهمهم لمحنة المواطنين في مصر، الذين يخبرهم “السيسي” ضمنيا أنه “لا أحد يهتم له الآن”، وفقاً لما قاله الممثل والناشط “خالد أبو النجا” في تصريح حديث له.

لقد حان الوقت – على الأقل – لإظهار أن “السيسي” مخطئ في ذلك.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s