حراك الشارع العربي: أين أصحاب نظرية المؤامرة؟

لا يمكن لمراقب موضوعي يشاهد ما يجري من حراك شعبي هادر في الجزائر والسودان إلا ويتذكر أيام الربيع العربي عام 2011 الذي أطاح بأربعة طغاة خلال فترة قصيرة. هذا الحراك المتجدد يثبت مرة أخرى أن المؤامرة ليست في الحراك نفسه، كما حاول بعض الكتاب أن يقنعونا بأن انتفاضات الشباب تلك كانت مؤامرة مصنوعة في مطابخ كوندوليزا رايس وبرنارد ليفي، بل المؤامرة كانت على الثورات لحرفها عن مسارها وتفريغها من محتواها، وحماية أنظمة الطغيان التي تتشابه إلى حد التماهي.

فعندما نتحدث عن بوتفليقة فكأننا نتحدث عن زين العابدين أو مبارك، وعندما ننتصر لحراك الشباب الهادر في ساحة البريد وشارع عميروش في الجزائر، أو في شوارع الخرطوم، فكأنما نعيد إنتاج فرحتنا لجماهير ميدان التحرير في القاهرة، وشارع الستين في صنعاء قبل ثماني سنوات. فالشعوب العربية كغيرها من شعوب الأرض تبحث عن الحرية والكرامة والعمل الشريف، ونظام لا يقوم على الفساد والمحسوبية وأجهزة الأمن، وتحويل مهمة الجيش لحماية النظام بدل الوطن، والبقاء في كرسي الحكم مدى الحياة، سواء كان الحاكم ملكا أو رئيسا أو أميرا أو سلطانا.

مرة أخرى وبصوت بليغ يرفض شباب هذه الأمة وطنا ظالما تتحكم فيه طغمة فاسدة بغيضة كتمت على أنفاس الشعوب، وضيقت هامش الحرية، وصادرت حقوق المواطن الأساسية، وعاملت الشعب كأنه رعايا، مسؤوليته فقط السمع والطاعة لولي الأمر، ونزلت بالهراوات على رؤوس من يعارضها مرة، وبالرصاص القاتل مرارا. أنظمة متشابهة رفعت شعارات برّاقة لم تحقق منها شيئا، فلا جلبت الحرية ولا الوحدة ولا سعادة المواطن ولا التنمية الرشيدة، ولا بناء القدرات الذاتية، ولا الاستغناء عن المساعدات الخارجية، بل فرّطت بالأرض والشرف، ولم تحافظ على سيادة الوطن ووحدة أراضيه، وافتعلت معارك مع إخوتها وجيرانها، وأقامت الاحتفالات ورقصت بالسيوف لمن دمروا الجار العربي، وانتقلت من الصف العروبي، ولو لفظا لتستقبل قتلة أطفال فلسطين والعرب في قصورها، وتعزف لهم النشيد الإسرائيلي في ملاعبها. هل يحتاج الشباب العربي أسبابا أكثر للانتفاضة على أوضاعهم المزرية وهم يرون بوابة الأمل مسدودة والفساد ينخر في أجساد بلادهم؟

العالم العربي بين الطاغية والتمزق الطائفي

العالم في غالبيته يتجه إلى الاستقرار القائم على تبادل السلطة وسيادة القانون، والانتخابات الحرة والنزيهة والعادلة والسلمية والخالية من التزوير وشراء الذمم، ونظام للمساءلة يحاسب الفاسدين حتى لو كانوا من كبار المسؤولين. أنظر إلى دول أمريكا اللاتينية التي بدأت تنافس العالم المتقدم، حيث تحتل البرازيل المرتبة السادسة متفوقة على بريطانيا. وتأمل الاستقرار والحكم الرشيد الذي وصل إلى العديد من الدول الإفريقية والآسيوية ودول أوروبا الشرقية. الدول العربية في غالبيتها الساحقة هي الاستثناء في هذا الكون. ليس لها من الحكم الرشيد نصيب. فمن بين أسوأ عشر دول في العالم، حسب مؤشر الديمقراطية، أربع من الدول العربية. وقد سجلت الدول العربية مجتمعة أسوأ منطقة في العالم بالنسبة للحريات المدنية باستثناء تونس، بينما انزلقت مصر من تصنيفها «حرة جزئيا» أيام مبارك إلى «غير حرة» هذه الأيام ولحقت بها غزة، حيث تراجعت فيها الحقوق السياسية إلى درجة خطيرة.

أما ظاهرة الطائفية والتمييز على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الموقع الاجتماعي، التي كانت منتشرة عالميا وغائبة عن العالم العربي في ما مضى، فقد عادت بقوة وبطريقة دموية. مضى الزمن الذي كانت فيه الظاهرة نائمة أو شبه نائمة وبالكاد تسمع داخل البلد الواحد أي إشارة إلى دين الشخص الآخر أو عقيدته أو عرقه أو لغته الأصلية. كانت موجودة تحت الرماد فجاء المحتل ليطلقها من عقالها. تتشكل ميليشيات ذات نقاء طائفي، بداية من جماعات «القاعدة» وأبي مصعب الزرقاوي ثم «عصائب أهل الحق» وكتائب «أبو الفضل العباس» و»الحشد الشعبي» و»فيلق بدر» وخلافة أبي بكر البغدادي وجماعة «النصرة» و»داعش» و»أجناد بيت المقدس». تستهدف الآخر بغية تصفية وجوده نهائيا، فيضطر الآخر إلى الاحتماء الطائفي ويقوم الثنائي الإمبريالي والبترودولار المتطرف بتغذية الظاهرة، والنتيجة عشرات آلاف من الرؤوس تجندل، وآلاف من النساء تغتصب، ومئات من المقامات تهدم والعديد من الأقليات العرقية والدينية تجتث وتتمزق. ألا يستحق كل هذا انتفاضات متلاحقة؟ وإن حدثت فهي مؤامرة؟

بين السودان والجزائر- حكم العسكر

هناك تشابه كبير بين البلدين، فقد كان السودان أكبر بلد عربي لغاية 2011 عندما انسلخ عنه الجنوب فاحتلت الجزائر هذا الموقع. عدد السكان في كلا البلدين نحو 45 مليون إنسان. وكلا البلدين غني بالموارد الطبيعية والأرض الخصبة والمعادن التي تملأ جوف الأرض. لكن البلدين بليا بظاهرة حكم العسكر بشكل مباشر، كما هو الحال في السودان، وغير مباشر كما هو حال الجزائر. صحيح أن عبد العزيز بوتفليقة ليس عسكريا، ولكن جيء به من قبل العسكر عام 1999 مع نهايات العشرية السوداء، وكان المطلوب من الرئيس لملمة البلد وتخطي ذكريات الدمار والتفجيرات والاغتيالات. وكانت نسبة انتخابه في الدورة الثانية مثيرة للإعجاب، حيث حصل على 85%.

لكن العسكر قرروا تغيير الدستور ليستمروا في حكم البلاد من خلف ظهر بوتفليقة. في العشر سنوات اللاحقة انتشر الفساد، وتفاقمت البطالة، وتحول الحكم إلى عبء ثقيل، فقد بوتفليقة أهليته وخسر التعاطف معه، خاصة بعد أن أصيب بشلل نصفي أقعده على كرسي طبي عام 2013 حيث مكث في مستشفى بفرنسا نحو أربعة أشهر. لقد استهجن الشعب الجزائري إعادته للحكم لدورة رابعة عام 2014 وكان الأولى به أن يحال إلى العناية الطبية معززا مكرما. إلا أن الاستهتار بمشاعر الشعب ومصادرة حقهم في الاختيار أصاب الشعب الجزائري بالإحباط، لكنه بلع السكين، لأنه اختار ألا يلجأ إلى العنف، بعدما شاهد ما جرى في ليبيا واليمن وسوريا. أما أن يمعن العسكر في إهانة مشاعر أمة ويحاولوا أن يمددوا لبوتفليقة للمرة الخامسة، فهذا أكثر من أن يتم تمريره بسهولة. لذلك خرجت الجزائر كلها لرفض التمديد والإصرار على ذلك، بطريقة حضارية منظمة جعلت كل واحد منا يفتخر بالجزائر وشعبها العظيم. ما لبث هذا الحراك أن أنجز المرحلة الأولى من مطالبه لكن أيادينا ما زالت على قلوبنا لأننا لا نثق بالعسكر والتجربة المصرية ما زالت حية في أذهاننا.

أما السودان فبعد ثلاثين سنة في الحكم انفجر الشعب السوداني ضد عمر البشير الذي فتت البلاد وأهان العباد وخسر ربع مساحة البلد الأكبر في القارة الإفريقية مع أنه كان يمكن أن يتجنب الانفصال. نظام البشير على عكس كافة الانقلابات، أطاح عام 1989 بحكومة منتخبة، وظن أنه يعيش في عالم خاص به، فأعلن تطبيق الشريعة، بدون مراعاة لخصوصية السودان المتعدد الأعراق والأديان والثقافات والمنابع، ما دفع الجنوبيين، وهم ليسوا عربا ولا مسلمين، أن يستمروا في تمردهم لنيل حقوقهم في حكم ذاتي موسع بعيدا عن نظام قطع الأيدي وجلد لابسات البناطيل.

يكفي أن نذكر برزمة من إنجازات البشير، فقد خسر الجنوب بثرواته النفطية، وأشعلت سياساته كذلك حرب دارفور التي ذهب ضحيتها ما يزيد عن 300000 قتيل، وأكثر من مليوني مشرد، عدا عن مئات ألوف اللاجئين في تشاد. كما انتقل الصراع إلى كردفان والنيل الأزرق ومنطقة أبيي على الحدود مع جنوب السودان. والأدهى من ذلك أنه ملاحق من قبل المحكمة الجنائية الدولية، بعد صدور قرار إدانته بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور عن طريق ميليشيات الجنجويد التي أعدها ودربها وأطلق يدها لتحرق وتقتل وتنهب وتغتصب. لقد أصدرت المحكمة بتاريخ 4 مارس 2009 مذكرة اعتقال بحق البشير، وهي أول مرة في التاريخ تدين هذه المحكمة رئيس دولة ما زال على رأس الحكم فيها – فهل كثير على الشعب السوداني أن ينتفض بشكل شامل ضد هذا الطاغية الذي كعادة الطغاة رد على المظاهرات السلمية بالحديد والنار والسجون والأحكام العرفية؟

هناك حراكات أخرى في ريف المغرب والأردن واليمن وغزة – وليس من الصعب البحث عن أسباب الحراك في الوطن العربي بل العكس هو الصحيح. فقد يعيينا البحث لماذا تأخر ذلك الحراك، وكيف للشعوب أن ترضخ لمثل هذا المستوى البائس من القيادات؟ لا نبحث عن إجابة بل نريد لهذا الحراك أن يحقق أهدافه ابتداء من الجزائر والسودان، لعل موجات أخرى من الاحتجاجات السلمية تتبع وتطيح بالمزيد من الطغاة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s